أزمة القيادة الأكاديمية في بعض الجامعات الخاصة: قراءة تشخيصية وعلاجية (ديناصورات حطمت صخرة التعليم)

تعد القيادة الأكاديمية الركيزة الأساسية التي تقوم عليها المؤسسة الجامعية إذ لا يكفي توافر الموارد المادية والكوادر البشرية المؤهلة ما لم تكن ثمة قيادة تمتلك الرؤية والكفاءة والقدرة على التكيف مع متطلبات العصر، وقد كشفت التجارب الأكاديمية المقارنة أن المؤسسات الجامعية التي تعاني من ضعف في قيادتها التنفيذية تتراجع بصرف النظر عن حجم استثماراتها أو عراقة تاريخها في حين تنهض المؤسسات ذات القيادة الرشيدة حتى في أحلك الظروف.
باتت أزمة القيادة الأكاديمية في بعض الجامعات الخاصة ظاهرة تستوجب الدراسة والتشخيص الجاد لا سيما في ظل مؤشرات متصاعدة على تراجع جودة التعليم وهجرة الكفاءات الأكاديمية وارتفاع معدلات انتقال الطلبة بين المؤسسات بسبب قرارات رعناء من شخص أرعن.
حيث تصنف أدبيات الإدارة التربوية القيادة الأكاديمية الفاعلة وفق ثلاثة محاور رئيسية متكاملة: القيادة التحويلية التي تسعى إلى التغيير والتجديد المؤسسي، والقيادة التشاركية التي تُفعّل أدوار الهيئة التدريسية والطلبة في صنع القرار، والقيادة التكيفية التي تمتلك القدرة على الاستجابة لمتغيرات البيئة الأكاديمية المتسارعة، وحين تغيب هذه المحاور الثلاثة تنشأ ما يُسميها الباحث روبرت غرينليف “القيادة الاستئثارية” التي تتمحور حول الذات لا حول المؤسسة، وأن القائد خادم للفريق لا وسيلة هدم.
تكشف المؤشرات الميدانية في هذا السياق عن جملة من الأنماط المتكررة في حالات الإخفاق القيادي الأكاديمي يمكن إجمالها فيما يلي:
الجمود المعرفي والرقمي: في عصر باتت فيه المنصات الرقمية وأنظمة إدارة التعلم وقواعد البيانات البحثية العالمية البنية التحتية الفعلية للعمل الأكاديمي يشكل غياب الكفاءة الرقمية لدى القيادة الأكاديمية عائقاً مؤسسياً حقيقياً، فالقائد الذي لا يُجيد هذه الأدوات لا يستطيع تقييمها ولا تطويرها ولا اتخاذ قرارات مبنية على بياناتها، فلا يعقل عميد إحدى الكليات لا يُجيد استعمال الحاسب الآلي أو حتى المواد التي تحتاج تقنية لا يُجيد أياً منها، وقد لا يُلام لأنه بلغ من العمر عتياً لكن اللوم يأتي عندما يتخرج من إحدى الدول غير الناطقة بالعربية ولا يُجيد لغة الدولة التي تخرج منها ولا يعطي محاضرات بها أو حتى كتابة أبحاث، وما يُشاع أن هناك من كتب له الأطروحة ومن زُجّ اسمه ببحثين بلغة غير العربية، وهذا يعني أن المؤسسة تُدار بمعلومات ناقصة وقرارات غير مستنيرة.
يُفضي الإخفاق القيادي في الغالب إلى نمط دفاعي يقوم على تعزيز شبكة من الموالين على حساب الكفاءة الموضوعية، وتشير أبحاث علم الاجتماع المؤسسي إلى أن القائد الذي يفتقر إلى الثقة بكفاءته الذاتية يميل إلى إحاطة نفسه بمن هم أقل كفاءة منه لأن المتميزين يشكلون له تهديداً نفسياً ومؤسسياً.
ثم نأتي للفجوة الجيلية في القيادة، لا تتعلق هذه المسألة بالعمر البيولوجي بل بالعمر الفكري والمعرفي، غير أن الأبحاث الأكاديمية تُثبت وجود ارتباط بين طول مدة شغل المنصب القيادي وتراجع القدرة على الابتكار والتجديد المؤسسي، وهو ما يُعرف في أدبيات الإدارة بـ “متلازمة التكلس القيادي”.
وقد وضعت معظم الجامعات العالمية الرائدة لذلك أنظمة صارمة تحدد مدد القيادة وتشترط التجديد الدوري.
إن غياب البعد التطبيقي تعاني بعض البيئات الأكاديمية من هيمنة النمط النظري المجرد على حساب التطبيق العملي لا سيما في التخصصات التي تستلزم بطبيعتها إتقان الأدوات التقنية والبرمجيات المتخصصة، وحين تكون القيادة نفسها بعيدة عن هذا البعد التطبيقي فإنها لا تُدرك قيمته ولا تستثمر فيه ولا تُحاسب على غيابه.
إن الآثار المؤسسية وعلى كثرتها نحصرها بالأثر الأول والأكثر قابلية للقياس وهو هجرة الطلبة، فحين تتراجع جودة البيئة الأكاديمية يتحول الانتقال إلى مؤسسات منافسة من ظاهرة فردية إلى موجة منظمة، وكل طالب يرحل يحمل معه شهادة ميدانية على إخفاق المؤسسة لا تحتاج إلى توثيق إضافي.
الأثر الثاني هو هجرة الكفاءات الأكاديمية، الأستاذ المتميز الذي يجد نفسه في بيئة تُقيّده ولا تُقدّره لن يتردد في الانتقال، وحين يفعل يأخذ معه رأسماله الأكاديمي من بحوث وعلاقات وطلبة وسمعة.
الأثر الثالث هو تآكل الحضور الأكاديمي، فالكلية التي فقدت كفاءاتها وطلابها تفقد تدريجياً حضورها في المؤتمرات والمجلات المحكمة والشراكات البحثية وتصبح حاضرة اسماً غائبة فعلاً.
على مستوى البيئة الأكاديمية يجب بناء ثقافة مؤسسية تُكافئ الكفاءة والابتكار وتحمي الأصوات المستقلة وتوفير قنوات شكاوى مستقلة تكفل لأعضاء الهيئة التدريسية والطلبة حق التعبير والمساءلة دون خوف من الانتقام وعادةً فتح ما أُغلق من ملفات ومراجعة ملفات من يحيطون بهذا العميد لتجد ما يدني له الجبين من غش وتدليس ومن تهديد للطلبة وحتى أعضاء هيئة التدريس.
المؤسسة الأكاديمية التي لا تُجدد قيادتها تُجدد أزماتها وبعض الجامعات الخاصة أمام منعطف حقيقي إما أن تختار مسار الإصلاح الهيكلي الجريء الذي يضع الكفاءة والشفافية والتجديد في قلب منظومتها القيادية وإما أن تستمر في مسار الجمود الذي يدفع ثمنه الطلبة أولاً ثم المؤسسة برمتها.
إن التاريخ الأكاديمي لا يرحم المؤسسات التي آثرت الاستقرار الوهمي على التجديد الحقيقي ومن يُستقطب ليجلس على كرسي العمادة لا بد من مراجعة تاريخه، فالمستقبل يُبنى بالكفاءة لا بالولاء للعميد والطاعة العمياء له وبالمعايير لا بالمصالح.




