رحلة إعلامية تكشف أسرار الحرف المغربية بين التاريخ والحاضر والاقتصاد












شارك عدد من الإعلاميين والصحافيين من دول مختلفة في رحلة إعلامية خاصة إلى المملكة المغربية، ضمّت أربعة صحافيين من قارات متعددة، من بينهم الإعلامي اللبناني جمال فياض، إلى جانب زملاء من الولايات المتحدة وإيطاليا وفرنسا. وقد جاءت هذه المبادرة في إطار جولة ميدانية ثقافية وسياحية امتدت بين مدن الرباط ومراكش والدار البيضاء، بهدف الاطلاع عن قرب على غنى الصناعة التقليدية المغربية، واكتشاف مواقع تاريخية ومعالم حضارية وسياحية تشكّل جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية للمغرب.
بدأت الرحلة في العاصمة الرباط، حيث وجد الضيوف أنفسهم منذ اللحظة الأولى أمام مدينة تختزن طبقات متعاقبة من التاريخ. ففي موقع شالة الأثري، وقف الصحافيون أمام مشهد يجمع بين آثار الحقبة الرومانية والمعالم الإسلامية في تناغم بصري يعكس عمق التاريخ المغربي وتنوّعه. وقد أبدى المشاركون إعجابهم بما تحمله هذه الحجارة والنقوش من ذاكرة حضارية تعود إلى قرون طويلة.
وفي قصبة الأوداية، تجوّل الإعلاميون بين الأزقة الضيقة ذات الجدران البيضاء والزرقاء المطلة على المحيط الأطلسي، حيث بدا المكان وكأنه لوحة فنية مفتوحة على البحر. كما شكّل متحف الحلي محطة لافتة في الجولة، إذ تعرّف الضيوف إلى دقّة الصياغة المغربية التقليدية وإلى المهارة التي يتمتع بها الصائغ المغربي في التعامل مع المعادن والأحجار الكريمة، بما يعكس إرثاً حرفياً عريقاً حافظ عليه المغاربة عبر الأجيال.
كما شملت الزيارة ضريح الملك محمد الخامس وصومعة حسان، وهما من أبرز المعالم التاريخية في الرباط. وقد أبدى الصحافيون إعجابهم بما تحمله هذه المعالم من رمزية تاريخية وجمالية معمارية تجمع بين الفخامة والروحانية، مؤكدين أن المغرب نجح في الحفاظ على تراثه المعماري وإبرازه بأسلوب حديث يحترم الجذور التاريخية.
ولم تقتصر الجولة على زيارة المعالم التاريخية فحسب، بل تضمنت لقاءات مباشرة مع الحرفيين في ورش النسيج وصناعة الزرابي التقليدية. هناك تابع الضيوف عن قرب حركة الأيدي التي تنسج الخيوط بدقة وصبر، في عملية تحمل في تفاصيلها تقنيات متوارثة عبر الأجيال. وقد شرح بعض الحرفيين كيف تنتقل أسرار هذه الحِرَف داخل العائلات والقبائل، وكيف تحمل كل سجادة أو قطعة منسوجة رمزية ثقافية مرتبطة بالمنطقة التي صنعت فيها.
كما أعرب الصحافيون عن تقديرهم لقدرة الصناع التقليديين على الحفاظ على الجودة والدقة في زمن الإنتاج الصناعي السريع، معتبرين أن هذه الحرف تشكّل تراثاً حيّاً لا يزال نابضاً بالحياة.
وفي مدينة مراكش، انتقلت الجولة إلى مساحة أخرى من التلاقي بين التراث والفن العالمي، من خلال زيارة حدائق ماجوريل ومتحف إيف سان لوران، حيث بدا واضحاً تأثير المغرب في عدد من كبار المبدعين والفنانين العالميين. كما زار الإعلاميون متحف دار الباشا، المعروف باسم متحف ملتقى الحضارات، حيث تعرّفوا إلى التنوع الثقافي الذي ميّز المغرب عبر تاريخه الطويل، وانعكس في الفنون والعمارة والحرف التقليدية.
الأسواق التقليدية في مراكش كانت بدورها محطة أساسية في الرحلة، إذ اطلع الصحافيون على ورش الفخار وصناعة الشموع والتطريز التقليدي، وتبادلوا الحديث مع الحرفيين حول المواد الأولية وأساليب الصباغة الطبيعية والتحديات التي تواجه الصناعات التقليدية في ظل التحولات الاقتصادية العالمية. وقد لفتت التجارب النسوية في التعاونيات الحرفية اهتمام المشاركين، حيث تلعب النساء دوراً مهماً في الحفاظ على عدد من التقنيات التقليدية وتطويرها بما يتلاءم مع متطلبات الأسواق الحديثة.
وفي ساحة جامع الفنا الشهيرة، وقف الضيوف أمام مشهد ثقافي حيّ يعكس روح الحياة الشعبية في المغرب: حكواتيون يروون قصصهم، موسيقيون يقدمون عروضهم، وروائح المأكولات الشعبية تعبق في المكان، في لوحة يومية تجمع بين الثقافة والترفيه والتقاليد.
أما في مدينة الدار البيضاء، فقد شكّلت زيارة مسجد الحسن الثاني إحدى أبرز محطات الرحلة. فالمسجد الذي يُعدّ من أكبر المساجد في العالم يتميّز بموقعه الفريد المطل على المحيط الأطلسي، وبما يحمله من روعة معمارية وزخارف إسلامية متقنة. وقد عبّر الضيوف عن دهشتهم من مستوى الإبداع في فنون الزليج والخشب المنحوت والجبس المزخرف، معتبرين أن هذا الصرح يجسد التقاء الحرف التقليدية بالتقنيات المعمارية الحديثة في نموذج فريد.
وفي ختام الرحلة، عبّر الصحافيون المشاركون عن تقديرهم لحفاوة الاستقبال وحسن التنظيم، مؤكدين أن ما شاهدوه من تنوع ثقافي وحرفي سيشكّل مادة غنية لتقاريرهم ومقالاتهم في وسائل الإعلام التي يعملون فيها.
وقد أبرزت هذه المبادرة أهمية التعريف بالصناعات التقليدية المغربية بوصفها جزءاً من الهوية الثقافية والاقتصادية للبلاد، كما أكدت أن الاستثمار في إبراز هذا التراث أمام الإعلام الدولي يشكل وسيلة فاعلة لتعزيز حضور المغرب الثقافي والسياحي على الساحة العالمية.




